عبد الملك الجويني
216
نهاية المطلب في دراية المذهب
المالك الخصومة ، فلا جرم نقول للمرتهن أن يخاصم حتى لا يتعطل حقه . قال الشافعي : " ولو عفا المرتهن كان عفوه باطلاً " . وتفصيل القول في هذا أن المرتهن لو أبرأ الجاني عن أرش الجناية ، فإبراؤه باطل ؛ لأن الإبراء إنما يصح من مالكٍ مطلق التصرف ، والمرتهن ليس مالكاً ؛ فلم يصح إبراؤه . 3688 - وتمام البيان في هذا الفصل ما نذكره ، فنقول : أطلق المراوزة القولَ بأنّ أرش الجناية لا يتصف بكونه مرهوناً ؛ فإنه دين ، والديون لا تكون مرهونة ، كما قدمنا ذلك في صدر الكتاب ، وألحقوا مصير العين المرهونة بسبب الإتلاف ديناً في ذمة المتلِف بأنقلاب العصير خمراً ، ثم رأَوْا تفصيلَ المذهب إذا قبض الدينَ ، وتعيّن بالقبض ، كتفصيله إذا انقلبت الخمر خلاً . وذكر العراقيون عن بعض الأصحاب أن الدين وإن كان لا يجوز تقديره مرهوناً ابتداءً ، فإذا استقر الرهن على عينٍ وجنى عليها جانٍ ، فالدين اللازم بسبب الجناية على العين مرهون ، وليس كالخمر ؛ فإن الدين مملوكٌ ، والخمر ليست مالاً ، والدين مترتب على عين ، حيث انتهى الكلام إليه ، ومصيره إلى عين ، إذا قُدِّر استيفاؤه . هذا ما حَكوه في ذلك . ثم قالوا : إذا قال المرتهن : عفوت عن حقي من الوثيقة ، أو أسقطت حقي منها ، والمسألة مفروضة فيه إذا أتلف الجاني المرهونَ ، فقال المرتهن قبل استيفاء الحق من الجاني ما قال ، فيسقط حقه ، وإذا استوفى الدينَ ( 1 ) ، فلا حق له فيه . ولو قال المرتهن : أبرأتك عما عليك أيها الجاني ، فإبراؤه لا يتضمن سقوطَ الدين ، ولكن هل يتضمن سقوط حقه من الوثيقة إذا استوفى الأرش ؟ ذكروا وجهين : أحدهما - أن حقه لا يسقط ؛ فإنه لم يتعرض للتنصيص على إسقاطه ، وإنما أسقط الدين ، وليس له إسقاطه ، فلو سقط حق الوثيقة ، لكان مرتباً على سقوط الأصل ، وإذا لم يسقط الأصل ، لم يسقط ما يترتبُ عليه هذا طريقهم .
--> ( 1 ) المعنى : إذا استوفى المالك الدينَ - ويعني به هنا الأرش الذي تعلق بذمة الجاني - من الجاني ، فليس للمرتهن حق في الاستيثاق به ؛ إذ أسقطه بقوله هذا .